أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
244
العقد الفريد
وهل نحن إلا أنفس مستعارة * تمرّ بها الرّوحات والغدوات بكيت وأعطتك البكاء مصيبة * مضت وهي فرد ما لها أخوات كأنك فيها لم تكن تعرف العزا * ولم تتعمد غيرك النّكبات سقى الضاحك الوسميّ أعظم حفرة * طواها الردي في اللّحد وهي رفات أرى بهجة الدنيا رجيع دوائر * لهنّ اجتماع مرة وشتات « 1 » طوى أيدي المعروف مصرع مالك * فهنّ عن الآمال منقبضات وقال أيضا : أما القبور فإنهن أوانس * بجوار قبرك والديار قبور عمّت فواضله وعمّ مصابه * فالناس فيه كلهم مأجور ردّت صنائعه إليه حياته * فكأنه من نشرها منشور وقال أشجع بن عمرو السّلمي يرثي منصور بن زياد : يا حفرة الملك المؤمّل رفده * ما في ثراك من النّدى والخير ؟ لا زلت في ظلين ظلّ سحابة * وطفاء دانية وظلّ حبور « 2 » وسقى الوليّ على العهاد عراص ما * والاك من قبر ومن مقور « 3 » يا يوم منصور أبحت حمى النّدى * وفجعته بوليّه المذكور يا يومه ما ذا صنعت بمرمل * يرجو الغنى ومكبّل مأسور يا يومه لو كنت جئت بنصحه * فجمعت بين الحيّ والمقبور ! للّه أوصال تقسّمها البلى * في اللّحد بين صفائح وصخور عجبا لخمسة أذرع في خمسة * غطّت على جبل أشمّ كبير من كان يملأ عرض كلّ تنوفة * واراه جولا ملحد محفور « 4 » ذلّت بمصرعه المكارم والنّدى * وذباب كلّ مهنّد مأثور أفلت نجوم بني زياد بعد ما * طلعت بنور أهلّة وبدور
--> ( 1 ) الشتات : الافتراق . ( 2 ) وطفاء : المسترخية الجوانب . ( 3 ) العهاد : المطر الأول . ( 4 ) الجول : ناحية القبر .